02 / المراجعة
9 CHAPTERSجريمة مرتبطة بعائلة مكسورة
ينتقل توم كينيدي، كاتب روايات الجريمة، مع ابنه الصغير جيك إلى البلدة التي نشأ فيها بعد وفاة زوجته. يفترض أن يكون الانتقال بداية جديدة، لكنه يتحول سريعًا إلى كابوس عندما يختفي طفل من البلدة، ثم يختفي جيك نفسه في ظروف تعيد إلى الأذهان جرائم قاتل متسلسل قديم يعرف باسم The Whisper Man.
هنا يستعين توم بوالده المنفصل عنه، المحقق المتقاعد بيت ويليس، الذي كان الرجل الذي نجح في القبض على القاتل الأصلي قبل سنوات طويلة. البداية جيدة لأنها لا تجعل القضية مجرد مطاردة قاتل، بل تربط الجريمة بعلاقة أب وابن مكسورة. وهذا هو أهم جانب في الفيلم، لكن العمل لا يمنح هذه العلاقة المساحة الكافية حتى تصبح مؤثرة فعلًا.
توم يبدأ في تكرار أخطاء والده
أفضل ما يحاول الفيلم فعله هو وضع توم أمام صورة من الماضي الذي يرفض مواجهته. قضى توم سنوات وهو يرى والده رجلًا اختار عمله على حساب عائلته. كان بيت مهووسًا بالقضية القديمة، ونتيجة ذلك أنه أصبح أبًا غائبًا وترك وراءه ابنًا يحمل غضبًا قديمًا.
لكن بعد وفاة زوجة توم يبدأ التاريخ في تكرار نفسه. توم موجود جسديًا بجانب جيك، لكنه لا ينجح دائمًا في فهم ما يمر به الطفل. ومن أفضل اللحظات عندما يفقد أعصابه بسبب الصديق الخيالي الذي يتحدث إليه جيك؛ فالمشهد لا يقدمه كأب مثالي، بل يكشف أنه بدأ من دون أن يدرك في ارتكاب نوع آخر من الأخطاء التي كان يلوم والده عليها. يشعر جيك بالوحدة رغم وجود والده، لكن الفيلم يتراجع عن هذه الفكرة حين يحول وحدته إلى وسيلة لدفع الاختطاف.
بيت يكسب القضية ويخسر عائلته
شخصية بيت من أكثر الشخصيات التي كان يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام. هو محقق قضى حياته في مطاردة المجرمين، ونجح في حل قضية The Whisper Man، لكنه دفع ثمنًا شخصيًا كبيرًا. لقد كسب القضية وخسر عائلته. وعندما يختفي جيك، يحصل على فرصة أخيرة ليصلح شيئًا من الضرر الذي تسبب فيه.
الفكرة واضحة: إنقاذ الحفيد يصبح محاولة متأخرة لإنقاذ العلاقة مع الابن. لكن السيناريو لا يمنح العلاقة بين بيت وتوم ما يكفي من الحوار أو التفاصيل التي تجعل هذا التاريخ مؤلمًا فعلًا. نعرف أن هناك جرحًا قديمًا وأن بيت كان أبًا غائبًا، لكننا لا نشعر دائمًا بهذا التاريخ بين الرجلين. الفيلم يخبرنا أن العلاقة مكسورة، لكنه لا يجعلنا نعيش هذا الانكسار.
آدم سكوت وروبرت دي نيرو لا يلتقيان دراميًا
يقدم آدم سكوت أداءً جيدًا في دور توم، خصوصًا في مشاهد الغضب والخوف والانهيار. تعاني الشخصية من الحزن والإحباط والضغط، لكن السيناريو يعطيه الكثير من التفاصيل التقليدية التي يفترض أن تصنع خلفية نفسية عميقة، من دون أن يمنحه حوارًا قويًا بما يكفي لربطها ببعضها.
أما روبرت دي نيرو، فالأداء أكثر هدوءًا وتحفظًا. كان يمكن لهذا الهدوء أن يصبح نقطة قوة، لأن بيت رجل عاش سنوات طويلة وهو يخفي مشاعره خلف عمله، لكنه لا يصل دائمًا إلى المستوى الذي يجعل العلاقة بينه وبين توم مقنعة. والأسوأ أن التفاوت بين أداء الرجلين يزيد الإحساس بأنهما ينتميان إلى فيلمين مختلفين. كان المفترض أن يكون الصمت بينهما محملًا بتاريخ طويل، لكنه غالبًا يبدو مجرد نقص في الحوار.
العنف يستمر عبر الميراث
يحاول الفيلم إضافة طبقة أخرى إلى قصة القاتل المتسلسل من خلال فكرة أن العنف لا ينتهي بالضرورة عندما يدخل القاتل السجن، بل يمكن أن يستمر تأثيره عبر الأشخاص الذين تركهم وراءه. وهنا تأتي شخصية فرانسيس جونيور لتمنح الفيلم مرآة أخرى لعلاقة الأب والابن. لدينا آباء تركوا أبناءهم يحملون نتائج أفعالهم، وأبناء يحاولون التعامل مع إرث لم يختاروه.
هذه الفكرة تمنح الفيلم أفضل مستوى من العمق، لكن كشفها يأتي متأخرًا. وعندما تظهر العلاقة الإضافية بين الأب والابن داخل الجانب الإجرامي، يصبح البناء الفكري أوضح، لكن الدراما لا تكون قد جهزت له بما يكفي. نفهم الفكرة، لكننا لا نشعر بها بالقدر نفسه.
مايكل كيتون يمنح مشاهد السجن حياة
من أكثر الشخصيات التي تمنح الفيلم حياة فرانك كارتر، القاتل الأصلي الموجود في السجن. يظهر مايكل كيتون في مشاهد قليلة، لكنه يترك أثرًا واضحًا. لا يتعامل مع الشخصية بهدوء شديد، بل يمنحها قدرًا من السخرية والاستفزاز والغرور، فتتحول مشاهد السجن إلى بعض أكثر أجزاء الفيلم إثارة للاهتمام.
لا يبدو فرانك مجرد رجل خلف القضبان ينتظر نهاية قصته، بل كأنه ما زال يحاول التحكم في الآخرين من خلال المعلومات التي يمتلكها، ويستمتع بتوجيه المحققين إلى الطريقة التي يريدهم أن يروا بها القضية. وتكشف هذه المشاهد مشكلة أكبر: أحيانًا تكون الشخصيات الجانبية أكثر حضورًا من الشخصيات التي يفترض أن تحمل القصة.
هوس الجرائم الحقيقية بلا امتداد كافٍ
تحمل شخصية نورمان كولينز واحدة من أكثر الأفكار إثارة للاهتمام. الرجل مهووس بالقتلة المتسلسلين، ويجمع مقتنيات مرتبطة بهم، ويتعامل مع الجرائم كأنها مادة للبحث والهواية. يستخدمه الفيلم ليطرح سؤالًا مهمًا: متى يتحول الاهتمام بالجرائم الحقيقية من فضول إلى هوس غير صحي؟
لا يتعامل نورمان مع الضحايا بوصفهم ضحايا بقدر ما يتعامل مع القضية كشيء يمكن امتلاكه وجمعه. وكان يمكن لهذا الجانب أن يكون أكثر قوة، لكنه يظل منفصلًا نسبيًا عن بقية البناء. الفكرة موجودة، لكنها لا تتطور بالقدر الذي يجعلها جزءًا أساسيًا من القصة.
الصديق الخيالي يكشف احتياج جيك الحقيقي
من أفضل أفكار النهاية أن الصديق الخيالي الذي يراه جيك هو صورة والدته ريبيكا. يوحي الفيلم لفترة بأن هناك شيئًا غامضًا يحدث، لكن النهاية تجعل الصورة أكثر ارتباطًا بحالته النفسية. لم تكن ريبيكا مجرد ذكرى بالنسبة إليه، بل أصبحت جزءًا من طريقته في التعامل مع الخوف.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الفتاة ذات السترة الزرقاء باعتبارها امتدادًا لغريزة البقاء لدى الطفل؛ صورة ذهنية للأم التي تمنحه الشعور بالأمان في الوقت الذي يعجز فيه والده عن تقديمه بصورة كاملة. تعيد النهاية انتباه توم إلى ما كان يغفل عنه: أن ابنه لا يحتاج فقط إلى الحماية الجسدية، بل إلى أب يفهم حزنه.
الأجواء تتراجع أمام التحقيق التقليدي
يحتوي الإخراج على بعض اللحظات الجيدة، خصوصًا في الجزء الأول. فالمنزل، والعواصف، والغرف الفارغة، والأبواب، والنوافذ، والمساحات غير الآمنة، كلها تساعد على خلق شعور بأن الخطر موجود داخل المكان نفسه. والخوف هنا لا يأتي فقط من القاتل، بل من المنزل الذي يفترض أن يكون آمنًا.
لكن هذا الإحساس لا يستمر بالقوة نفسها. عندما تتوسع القصة وتتحول إلى تحقيق بوليسي تقليدي، يفقد الفيلم جزءًا من توتره. تتوزع الأحداث بين المشتبه بهم والاستجوابات والمعلومات الجديدة، ويصبح المنزل الذي كان يحمل ثقلًا نفسيًا مجرد موقع آخر داخل القصة. وهنا يطغى الجانب البوليسي على الجانب الإنساني.
03 / الخلاصة
الخلاصة
في الختام، The Whisper Man ليس فيلمًا بلا أفكار، وهذه نقطة مهمة. مشكلته تحديدًا أنه يمتلك أفكارًا أفضل من الفيلم الذي انتهى بنا الأمر إلى مشاهدته. كان يمكن أن يكون عملًا قويًا عن أب يكتشف أنه يعيد أخطاء والده، وعن طفل يحاول النجاة من الحزن والوحدة، وعن إرث العنف الذي ينتقل بين الآباء والأبناء. لكن الجانب البوليسي يطغى على الجانب الإنساني، فتتحول بعض أفضل أفكاره إلى مجرد عناصر داخل لغز جريمة. أفضل لحظاته هي التي يتوقف فيها عن البحث عن المفاجأة التالية، ويبدأ في الحديث عن العائلة والفقدان والوحدة. أما عندما يعتمد على المشتبه بهم والتفسيرات المتتالية، يصبح أقرب إلى فيلم إثارة تقليدي يمكن نسيانه بسهولة. في النهاية يملك بداية جيدة، وبعض الأداءات اللافتة، وفكرة مركزية تستحق فيلمًا أفضل، لكنه لا ينجح في جمع كل هذه العناصر داخل تجربة متماسكة ومؤثرة.
والسؤال لكم



