MBcinemaStudio
للأعمال↗

ملف تشارلي تشابلن · الجزء الرابع

عندما تكلم تشابلن واصطدم بالسياسة

بعدما قاوم الحوار لسنوات، لم يستخدم تشابلن صوته لمجرد أن السينما أصبحت ناطقة… بل ليقول أشياء لم يعد يريد تركها للإيماء

الحلاق اليهودي بوجه تشابلن المألوف في The Great Dictator (1940). الأداء الجسدي يستمر بينما يصبح الكلام جزءًا من الصراع.
الحلاق اليهودي بوجه تشابلن المألوف في The Great Dictator (1940). الأداء الجسدي يستمر بينما يصبح الكلام جزءًا من الصراع.

في Modern Times وجد تشارلي تشابلن طريقة شبه مستحيلة لكي يسمح للصعلوك بأن يُسمع من دون أن يمنحه لغة حقيقية. غنّى الرجل الصغير أمام الجمهور، لكن الكلمات كانت خليطًا هزليًا بلا معنى محدد؛ بقي الجسد هو الذي يشرح، وبقي الصوت امتدادًا للحركة.

كان ذلك حلًا أنيقًا لمشكلة حملها تشابلن لسنوات.

لكنه لم يصلح لما سيأتي بعده.

لأن فيلمه التالي لن يتعامل مع مصنع أو آلة أو قصة حب يمكن للصورة أن تحمل معظم معناها. هذه المرة كان تشابلن ينظر إلى صعود الفاشية في أوروبا، وإلى رجل حقيقي يشبهه بصورة غريبة في الشارب والهيئة: أدولف هتلر.

وهنا لم يعد السؤال:

هل يستطيع تشابلن الكلام؟

بل أصبح:

ماذا يحدث عندما يقرر فنان بنى لغته على الصمت أن الكلام نفسه أصبح جزءًا من موضوعه؟

في The Great Dictator سنة 1940، صنع تشابلن أول فيلم طويل له يعتمد الحوار المنطوق بالكامل. للمرة الأولى لم يكن الصوت مؤثرًا يدخل عند الحاجة، ولا أغنية بلا لغة؛ صار الكلام أداة للشخصيات، وأداة للسخرية، ثم في النهاية وسيلة يتوجه بها تشابلن مباشرة تقريبًا إلى الجمهور.

الصعلوك كان قد أمضى أكثر من عشرين عامًا وهو يجعل العالم يفهمه بلا كلمات.

والآن، عندما تكلم تشابلن فعلًا، لم يعد الكلام مجرد تطور تقني في السينما.

أصبح موقفًا علنيًا.

وجه واحد… ورجلان لا يشبه أحدهما الآخر

بنى The Great Dictator على واحدة من أبسط أفكاره البصرية وأكثرها فاعلية: تشابلن يؤدي شخصيتين.

الأولى حلاق يهودي بسيط يعيش في دولة خيالية تدعى Tomania.

والثانية الدكتاتور Adenoid Hynkel، وهو محاكاة ساخرة واضحة لهتلر.

التشابه الجسدي بين الاثنين موجود، لكن الفيلم يستخدمه كي يصنع تناقضًا مستمرًا: الوجه نفسه يمكن أن يظهر خائفًا ومهمشًا في شخصية، ثم متضخمًا بالسلطة في الشخصية الأخرى. تشابلن يؤدي الحلاق وهينكل معًا، فيما يسخر الفيلم مباشرة من الدكتاتورية والاضطهاد.

وهنا يصبح الصوت جزءًا من الفصل بين الشخصيتين.

الحلاق أقرب إلى العالم الذي عرفناه مع الصعلوك: الجسد والوجه ورد الفعل أهم من البلاغة.

أما هينكل، فالكلام عنده وفير.

لكنه ليس بالضرورة وسيلة للتواصل.

في خطبه، يحول تشابلن اللغة إلى أصوات عنيفة، نبرة وإيقاع وانفجارات لفظية تحاكي شكل الخطاب السياسي أكثر مما تنقل مضمونًا عقلانيًا.

وهذه نقطة إخراجية مهمة.

لو ألغينا معنى الكلمات للحظة، تبقى لنا صورة شخص فوق منصة، جمهور منظم، ميكروفونات، تحيات جماعية، ارتفاع في الصوت ثم انخفاض، وجسد يستخدم الإيقاع ليصنع الهيبة.

السلطة تُعرض هنا كأداء.

والفيلم يجعلنا نرى الأداء نفسه.

عندما يتحول الصوت إلى حركة

كان تشابلن، حتى وهو يدخل عصر الحوار الكامل، لا يزال يفكر في الكلام بطريقة جسدية.

نرى ذلك في الطريقة التي يلقي بها هينكل خطبه: الصوت مرتبط بتقلص الوجه، تمدد الصدر، حركة الذراعين والانفجارات الإيقاعية.

الجملة ليست فقط ما يُقال.

الجملة شيء يفعله الجسد.

وهذا يربط الفيلم مباشرة بكل ما بناه تشابلن قبل عصر الصوت.

هو لم يتخل عن الـPantomime عندما تعلم الكلام؛ بل أدخل الكلام داخل نظام الأداء الجسدي نفسه.

يمكن أن ترى ذلك أيضًا في المشاهد التي لا تحتاج أصلًا إلى خطاب.

في مشهد الكرة الأرضية الشهير، يرقص هينكل مع بالون على هيئة الكرة الأرضية.

لا توجد حاجة إلى شرح طويل لطموحه.

الجسد وحده يكفي.

يحمل العالم.

يقذفه.

يلتقطه.

يتركه يطفو.

ثم يستلقي تحته كما لو أن الكوكب لعبة شخصية.

الموسيقى والحركة والتكوين تفعل ما كان يفعله تشابلن طوال حياته: تحول فكرة مجردة إلى فعل بصري يستطيع المشاهد قراءته فورًا.

واللافت أن تشابلن نفسه ظل شديد التحكم في الموسيقى أيضًا؛ فقد عمل مع Meredith Willson على موسيقى الفيلم، وكان من أفكاره استخدام مقدمة Lohengrin في رقصة الكرة الأرضية.

إذن الفيلم الذي يُذكر عادة بسبب خطابه الأخير لا يتخلى في الحقيقة عن لغته القديمة.

الصورة ما زالت قادرة على السخرية من الطموح السياسي من دون أن تقول جملة.

لكن هذه المرة لم يرد تشابلن أن تظل الصورة وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة.

هينكل والكرة الأرضية في The Great Dictator (1940): تتحول فكرة السيطرة على العالم إلى لعبة جسدية يمكن فهمها دون خطاب.
هينكل والكرة الأرضية في The Great Dictator (1940): تتحول فكرة السيطرة على العالم إلى لعبة جسدية يمكن فهمها دون خطاب.

الفيلم ظهر بينما العالم الحقيقي كان يتغير أسرع من السيناريو

بدأ تشابلن تطوير المشروع في أواخر الثلاثينيات، وكانت مسوداته المبكرة موجودة بالفعل في 1938. وبين كتابة الفيلم وخروجه إلى الجمهور تغيّر السياق السياسي الأوروبي بصورة سريعة: اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا في سبتمبر/أيلول 1939، بينما بقيت الولايات المتحدة خارج الحرب عسكريًا في تلك المرحلة. عُرض The Great Dictator في نيويورك في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1940، أي قبل دخول الولايات المتحدة الحرب بأكثر من عام.

وده مهم لفهم الفيلم.

لأن السخرية لم تكن تعليقًا على تاريخ انتهى وأصبح آمنًا.

كانت موجهة إلى نظام سياسي قائم بالفعل، بينما الحرب مستمرة.

لكن ده لا يعني إننا نحول الموضوع إلى أسطورة «تشابلن وحده رأى الخطر ولم يره أحد». أوروبا كانت بالفعل في الحرب، والنازية والفاشية لم تكونا ظاهرتين مجهولتين وقت إصدار الفيلم.

القيمة السينمائية هنا في شيء أدق:

تشابلن أخذ الشخصية التي عرفها الجمهور من الكوميديا الجسدية ووضعها داخل موضوع سياسي مباشر لم يعد يترك مساحة كبيرة للحياد السردي الذي ميز بعض أفلامه السابقة.

ببساطة، الفيلم نفسه دخل إلى النقاش العام.

تشابلن وريجنالد غاردنر في مشهد الطائرة من The Great Dictator (1940). تبدأ الحكاية زمن الحرب العالمية الأولى قبل الانتقال إلى عالم الدكتاتور.
تشابلن وريجنالد غاردنر في مشهد الطائرة من The Great Dictator (1940). تبدأ الحكاية زمن الحرب العالمية الأولى قبل الانتقال إلى عالم الدكتاتور.

ثم كسر تشابلن الفيلم الذي بناه

يمكن مشاهدة معظم The Great Dictator ككوميديا ساخرة لها شخصيات وحبكة.

ثم نصل إلى النهاية.

بسبب تبدل الهوية بين الحلاق والدكتاتور، يجد الحلاق نفسه أمام الميكروفون بينما ينتظر الجميع منه خطابًا.

وهنا يحدث شيء غير مألوف حتى داخل الفيلم نفسه.

يتراجع جزء كبير من الشخصية.

ويظهر تشابلن.

في الخطاب النهائي يسقط تقريبًا القناع الكوميدي ويتحدث مباشرة إلى العالم، داعيًا إلى السلام والتسامح ورافضًا الاستبداد.

خضع الخطاب لمسودات متعددة وتعديلات كثيرة؛ لم يكن ارتجالًا عابرًا في نهاية التصوير، بل جزءًا من عملية كتابة طويلة. كما نُقل عن تشابلن وقت صدور الفيلم أنه أراد في هذه اللحظة أن يتوقف الجمهور عن الضحك وأن يستمع.

وهذا القرار يظل مثيرًا سينمائيًا لأنه يخالف قاعدة كان تشابلن نفسه قد بنى عليها الكثير من أفلامه.

طوال مسيرته كان المعنى يولد من الفعل.

هنا يتوقف الفعل تقريبًا لكي يتقدم الكلام.

الوجه أمامنا.

الميكروفون أمامه.

والخطاب طويل مقارنة بإيقاع الفيلم السابق.

يمكن للمتلقي أن يرى هذا التحول بطريقتين: لحظة يصبح فيها الكلام ضروريًا بالنسبة إلى صاحب الفيلم، أو كسرًا واضحًا للدراما من أجل إدخال خطاب مباشر.

المهم أن الفيلم لا يخفي الكسر.

يتعمده.

وللمرة الأولى يصبح صوت تشابلن الحقيقي تقريبًا أهم من صوت الشخصية التي يؤديها.

بعد الحرب… أصبح الضحك أغمق بكثير

لو توقف تشابلن بعد The Great Dictator، كان من السهل تصور هذه المرحلة باعتبارها استثناءً سياسيًا داخل مسيرة كوميدية.

لكن الفيلم التالي الكبير جعل من الصعب قراءة الأمر بهذه البساطة.

في Monsieur Verdoux عام 1947، تخلى تشابلن عن الصعلوك تمامًا.

لا قبعة.

لا عصا.

لا بنطال فضفاض.

ولا شخصية فقيرة تتلقى الضربات من العالم ثم تنهض.

هذه المرة يؤدي Henri Verdoux، موظف بنك سابق يتحول إلى قاتل يتزوج نساء ثريات ثم يقتلهن للحصول على أموالهن.

الفيلم ليس مقتبسًا من مسرحية Enemy of the People لإبسن.

المشروع نشأ من فكرة عرضها Orson Welles على تشابلن بشأن فيلم مستوحى من القاتل الفرنسي Henri Désiré Landru. اشترى تشابلن الفكرة من ويلز مقابل 5,000 دولار، وحمل الفيلم في التترات عبارة تفيد بأنه مبني على فكرة له.

ملصق Monsieur Verdoux (1947) يقدم مظهرًا مختلفًا لتشابلن؛ خلف الأناقة تبدأ كوميديا أشد قتامة من عالم الصعلوك.
ملصق Monsieur Verdoux (1947) يقدم مظهرًا مختلفًا لتشابلن؛ خلف الأناقة تبدأ كوميديا أشد قتامة من عالم الصعلوك.

القاتل الفرد… والعالم الذي يقتل بأعداد أكبر

لا يحتاج Monsieur Verdoux إلى تبرئة بطله كي يطرح سؤاله.

Verdoux قاتل.

الفيلم لا يخفي ذلك.

لكن تشابلن يضع جرائمه الفردية بجوار عالم خرج لتوه من حرب عالمية قتلت الملايين.

ومن هنا تأتي أكثر أفكار الفيلم استفزازًا: لماذا ينظر المجتمع إلى جريمة الفرد بوصفها وحشية واضحة، بينما يمكن أن تتحول عملية قتل ضخمة داخل الحرب إلى مؤسسة لها لغة رسمية وأوسمة ومصالح اقتصادية؟

هذه ليست حقيقة تاريخية يقررها الفيلم.

إنها الحجة الأخلاقية التي يطرحها Verdoux داخل العمل.

والتمييز مهم.

عندما يتحدث Verdoux عن الفرق بين قاتل فرد ومنظومات تستطيع قتل أعداد هائلة، فهو يقدم دفاعًا ساخرًا ومتعمد الاستفزاز عن نفسه، لا حقيقة يتعين على القارئ قبولها.

لكن من ناحية البناء السينمائي، نرى تحولًا كبيرًا في تشابلن.

في Modern Times كان الجسد محاصرًا داخل الآلة.

في The Great Dictator أصبح الخطاب نفسه موضوعًا.

وفي Monsieur Verdoux أصبح الحوار أداة للسخرية الأخلاقية.

الرجل الذي كان يخشى أن تمنح الكلمات الصعلوك هوية ضيقة أصبح الآن يستخدم الكلمات تحديدًا لكي يضع المشاهد أمام أفكار لا يمكن أن تمر بالإيماء وحده.

الكوميديا لم تختف… لكنها لم تعد بريئة من نتائجها

تشابلن لا يصور Verdoux كرجل مرعب بالطريقة المعتادة.

إنه مهذب.

أنيق.

هادئ.

وقد يكون مضحكًا.

وهنا يأتي عدم الارتياح.

حين يكون القاتل وحشًا واضحًا، يصبح من السهل على المشاهد أن يضعه خارج عالمه.

لكن حين يستخدم الفيلم أدوات الكوميديا التي ارتبط بها تشابلن ليجعل هذا الرجل جذابًا أو مرتبكًا أو محاصرًا في مواقف هزلية، تتعقد المسافة.

نحن نعرف ما يفعله.

ومع ذلك نضحك أحيانًا.

النتيجة ليست أن الفيلم يطلب منا الموافقة على Verdoux، بل أن الكوميديا نفسها تصبح موضع اختبار.

على أي شيء نضحك؟

وأين ينتهي التعاطف مع الشخصية ويبدأ الحكم على أفعالها؟

ده اتجاه مختلف تمامًا عن الصعلوك.

الصعلوك كان يجذب التعاطف لأنه غالبًا الطرف الأضعف داخل النظام.

Verdoux يستغل الآخرين عمدًا.

ومع ذلك يحتفظ تشابلن بقدرته على بناء المشهد حول التوقيت والجسد والمفارقة.

نفس الصانع.

لكن الأداة تُستخدم هذه المرة لإنتاج شعور أقل راحة.

تشابلن في Monsieur Verdoux (1947): الهيئة المهذبة والوجه الهادئ يعقدان المسافة بين جاذبية الشخصية والحكم على أفعالها.
تشابلن في Monsieur Verdoux (1947): الهيئة المهذبة والوجه الهادئ يعقدان المسافة بين جاذبية الشخصية والحكم على أفعالها.

وفي العرض الصحفي… أصبح الفيلم أقل أهمية من الرجل الذي صنعه

عندما قُدم Monsieur Verdoux في نيويورك سنة 1947، لم يكن استقبال تشابلن محصورًا في أسئلة الفيلم.

تضمن المؤتمر الصحفي الذي أُقيم مع العرض الأول أسئلة للصحفيين لم تقتصر على الفيلم. وجاء ذلك في وقت كانت فيه لجنة الأنشطة غير الأمريكية في مجلس النواب HUAC توسع تحقيقاتها المتعلقة بالشيوعية في هوليوود.

وهنا يجب تصحيح خلط شائع جدًا:

HUAC ليست «لجنة مكارثي».

كانت لجنة تابعة لمجلس النواب الأمريكي.

أما جوزيف مكارثي فكان سيناتورًا، واشتهر لاحقًا بتحقيقات واتهامات منفصلة داخل مجلس الشيوخ في أوائل الخمسينيات.

الظاهرتان تنتميان إلى السياق الأوسع للـRed Scare والحرب الباردة، لكنهما ليستا المؤسسة نفسها.

وده مهم جدًا عند كتابة تاريخ تشابلن، لأن جمع كل شيء تحت كلمة «مكارثية» يمكن أن يجعل التسلسل المؤسسي نفسه خاطئًا. كانت HUAC هي اللجنة التي أجرت تحقيقات الشيوعية في هوليوود في 1947.

هل كان تشابلن شيوعيًا؟

هذا أحد الأماكن التي لا يصح أن نحول فيها الاتهام التاريخي إلى حكم من عندنا.

ما نستطيع قوله بدقة هو أن تشابلن كان موضع تحقيق واتهامات ومتابعة بشأن علاقاته ومواقفه السياسية.

جمع FBI مواد عن تشابلن وحقق في علاقاته المزعومة بمنظمات شيوعية في الولايات المتحدة، ضمن ملف للأمن الداخلي. وتمتد المواد المنشورة في الملف بين 1922 و1978. وجود التحقيق لا يثبت بذاته أن تشابلن كان عضوًا في الحزب الشيوعي.

أما تشابلن نفسه فنفى العضوية.

وفي 1947، بعدما علم باستدعائه المرتبط بتحقيقات HUAC، أعلن أنه ليس شيوعيًا ووصف نفسه بأنه “peace-monger”، أي شخص يدعو إلى السلام.

كان ضمن مجموعة أشخاص طُلب حضورهم أمام اللجنة، لكن جلسة شهادته لم تحدث في النهاية.

إذن الصياغة الدقيقة ليست:

«أثبتت أمريكا أن تشابلن شيوعي».

وليست أيضًا:

«كل الاتهامات كانت مختلقة ويمكن تجاهلها بلا بحث».

الصياغة الأدق:

كانت هناك تحقيقات واتهامات وعلاقات ومواقف عامة فسرتها جهات أمريكية باعتبارها موضع اشتباه، بينما نفى تشابلن انتماءه الحزبي.

وده هو الفارق بين تسجيل التاريخ وبين إصدار حكم سياسي نيابة عن القارئ.

المشكلة لم تكن فيلمًا واحدًا

من السهل جدًا بناء حكاية درامية تقول:

صنع تشابلن Monsieur Verdoux، أغضب الحكومة، فطُرد من أمريكا.

لكن التاريخ أكثر تعقيدًا.

كان حول تشابلن بحلول أواخر الأربعينيات خليط من عوامل مختلفة: مواقفه العامة، ارتباط اسمه بقضايا سياسية، عدم حصوله على الجنسية الأمريكية رغم إقامته الطويلة، تحقيقات اتحادية، سجالات صحفية، قضايا شخصية وقانونية سابقة، ثم سياق الحرب الباردة الذي جعل مسألة الانتماء السياسي أكثر حساسية.

حتى ردود الفعل على Monsieur Verdoux لم تكن حكومية فقط؛ فقد امتنعت 225 دار عرض عن الفيلم بعد احتجاج من منظمة Catholic War Veterans.

إذن لا يوجد زر واحد ضغط عليه فيلم واحد فانتهت حياة تشابلن الأمريكية.

ما حدث كان تراكمًا.

ومع مرور السنوات، تحولت صورة تشابلن العامة في جزء من الصحافة والسياسة الأمريكية من كوميدي عالمي إلى شخصية يُسأل عن ولائها ومواقفها بقدر ما يُسأل عن أفلامها.

والصانع الذي قاتل سنوات حتى يمتلك الصورة التي تظهر على الشاشة بدأ يفقد السيطرة على الصورة التي يملكها الناس عنه خارج الشاشة.

1952: لم يُعتقل تشابلن… ولم يُنفَ بحكم محكمة

في سبتمبر/أيلول 1952 غادر تشابلن الولايات المتحدة مع أسرته متجهًا إلى أوروبا لحضور العرض الأول لفيلمه Limelight في لندن.

كان بريطاني الجنسية، وليس مواطنًا أمريكيًا، ولذلك كان يحتاج إلى تصريح يسمح له بإعادة الدخول إلى الولايات المتحدة. وكان قد تقدم بالفعل للحصول على تصريح إعادة الدخول، وامتدت مراسلاته مع دائرة الهجرة بشأنه خلال الأشهر التي سبقت سفره.

بعد مغادرته، أعلن وزير العدل الأمريكي James P. McGranery أن سلطات الهجرة ستجري تحقيقًا في مسألة السماح له بالعودة، وأنه إذا حاول الدخول فسيتعين البت في أهليته للقبول وفق قوانين الهجرة. ظلت مسألة إعادة الدخول معلقة إلى حين جلسة تحدد الأهلية.

وده أدق بكثير من العبارة الشائعة:

«أمريكا طردت تشابلن ومنعته نهائيًا من العودة».

لم يكن هناك حكم قضائي بالنفي.

ولم يكن تشابلن مواطنًا أمريكيًا جُرد من جنسيته.

المسألة دارت حول وضعه كمقيم أجنبي وإمكانية إعادة دخوله.

حتى البرلمان البريطاني ناقش الأمر في أكتوبر/تشرين الأول 1952، وكان الرد الرسمي حينها أن وزير العدل الأمريكي أمر بالتحقيق في إمكانية إعادة قبوله، وأن قرارًا نهائيًا لم يكن قد أُعلن بعد في ذلك الوقت.

ثم اتخذ تشابلن قراره هو أيضًا

من الخطأ تصوير تشابلن كجسم سلبي حملته السلطات ببساطة إلى المنفى.

بعد الأزمة قرر ألا يعود إلى الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

وفي 1953 سلّم تصريح إعادة الدخول، ولم يكن ينوي العودة إلى الولايات المتحدة آنذاك.

وده لا يلغي الضغط الحكومي أو السياسي الذي سبق القرار.

لكنه يجعل الصورة أكثر دقة:

الحكومة الأمريكية جعلت عودته مشروطة بتحقيق وإجراءات جديدة، وتشابلن اختار بدوره ألا يخوض مسار العودة في تلك المرحلة.

وحين علّق على الأزمة للصحافة في سبتمبر 1952، نفى أن يرى نفسه رجلًا سياسيًا حزبيًا وركز على أنه يريد مواصلة صناعة الأفلام.

ومع ذلك، تغير موقعه في السينما جذريًا.

لسنوات كان يملك استوديوه.

عماله.

آلية إنتاج يعرفها.

وشبكة عمل بنت أفلامه بالطريقة التي يريدها.

خارج الولايات المتحدة، سيضطر إلى العمل في بيئة مختلفة.

وهذه نتيجة فنية، لا سياسية فقط.

المنفى غيّر أيضًا طريقة صناعة الفيلم

عندما صنع A King in New York في بريطانيا عام 1957، كان يقترب من السبعين ولم يعد يملك الاستوديو الأمريكي الذي بنى داخله عاداته طوال عقود.

كانت العودة إلى الإنتاج في استوديوهات مستأجرة ومع طاقم لا يملك معه التاريخ الطويل نفسه تجربة صعبة.

لكن الموضوع الذي اختاره لم يبتعد عن تجربة السنوات السابقة.

بل اقترب منها أكثر.

يلعب تشابلن شخصية King Shahdov، ملك أوروبي مخلوع يصل إلى نيويورك، ويصطدم بعالم الإعلانات والتلفزيون والشهرة الحديثة، ثم يدخل الفيلم مباشرة في موضوع التحقيقات السياسية عندما يتعرف إلى طفل يواجه والداه مشكلات مرتبطة بلجنة HUAC، قبل أن يجد الملك نفسه أيضًا أمام اللجنة داخل أحداث الفيلم.

هنا لا نحتاج إلى الادعاء بأن شاهدوڤ هو «تشابلن نفسه» حتى نرى التشابه البنيوي.

يمكن قراءة الشخصية باعتبارها رجلًا أجنبيًا يصل إلى أمريكا، يجد نفسه محاصرًا بين الإعلام والسياسة والاشتباه، ثم يصبح مضطرًا إلى التعامل مع نظام لا يملك السيطرة عليه.

الحياة الواقعية والفيلم ليسا الشيء نفسه.

لكن المسافة بينهما هذه المرة صغيرة بما يكفي لكي تكون واضحة.

تشابلن خلف الكاميرا أثناء تصوير A King in New York (1957)، في المرحلة التي عاد فيها إلى العمل داخل استوديوهات بريطانية.
تشابلن خلف الكاميرا أثناء تصوير A King in New York (1957)، في المرحلة التي عاد فيها إلى العمل داخل استوديوهات بريطانية.

الكاميرا لم تعد تختبئ خلف الرمز

في Modern Times كان المدير يراقب العامل من شاشة.

كان بإمكاننا تحليل المشهد بوصفه صورة للسلطة والمراقبة من دون أن تسمّي الشخصية مؤسسة حقيقية.

في A King in New York تصبح السخرية أكثر مباشرة.

هناك لجنة تشبه المؤسسة التاريخية باسمها ووظيفتها.

هناك التحقيق في الولاء.

هناك ضغط على الطفل وعائلته.

وهناك مجتمع حديث آخر يسخر منه الفيلم أيضًا: الإعلانات التلفزيونية، الشهرة، التجميل، الاستهلاك والوسائط التي تحول الإنسان نفسه إلى سلعة قابلة للبيع.

لهذا لا يمكن اختزال الفيلم في «انتقام تشابلن من أمريكا».

هذا وصف نفسي لا نستطيع إثباته من الصورة وحدها.

الأدق أن نقول إن الفيلم يحول عدة تجارب ومظاهر أمريكية في الخمسينيات إلى مادة ساخرة، ومن بينها HUAC والـblacklisting والثقافة التلفزيونية والاستهلاكية، وأمريكا في العصر الذري.

مايكل تشابلن في دور روبرت ماكابي في A King in New York (1957): يصبح الضغط السياسي على الطفل وعائلته جزءًا مباشرًا من الحكاية.
مايكل تشابلن في دور روبرت ماكابي في A King in New York (1957): يصبح الضغط السياسي على الطفل وعائلته جزءًا مباشرًا من الحكاية.

والمفارقة: فيلم عن نيويورك لم يصل إلى الجمهور الأمريكي لسنوات

صنع تشابلن الفيلم في أوروبا.

وكان يعرف أن عرضه في الولايات المتحدة في ذلك الوقت غير مرجح.

لم يُعرض A King in New York في الولايات المتحدة إلا بعد ستة عشر عامًا، في أول إصدار أمريكي له سنة 1973.

وهنا تكتمل مفارقة هذه المرحلة.

الفنان الذي أسس United Artists قبل عقود لأنه أراد السيطرة على طريق الفيلم إلى الجمهور أصبح الآن يصنع فيلمًا عن أمريكا لا يستطيع أن يصل من خلاله إلى الجمهور الأمريكي وقت صنعه.

في الجزء الثاني كانت مشكلته:

من يملك الفيلم؟

وفي الجزء الثالث:

من يملك الصوت؟

أما هنا فالسؤال أصبح:

ماذا يحدث عندما تملك الفيلم والصوت، لكن علاقتك بالمكان الذي صنع نجوميتك نفسها قد تغيرت؟

تشابلن ودون آدامز في كواليس A King in New York (1957). يظل العمل على الجسد والتوقيت حاضرًا داخل هذه المرحلة الساخرة.
تشابلن ودون آدامز في كواليس A King in New York (1957). يظل العمل على الجسد والتوقيت حاضرًا داخل هذه المرحلة الساخرة.

هل دمّرت السياسة فن تشابلن؟

صياغة السؤال بهذه الطريقة تجعلنا نبحث عن إجابة أبسط مما تسمح به أفلامه.

من المؤكد أن الجدل السياسي والتحقيقات وأزمة 1952 أثرت في حياته العامة وفي ظروف عمله.

لكن القول إن «السياسة دمرت تشابلن» يحول عقودًا من العمل إلى علاقة سببية واحدة يصعب إثباتها.

وكذلك القول إن كل فيلم بعد The Great Dictator مجرد بيان سياسي يتجاهل أن تشابلن ظل مهتمًا بالأداء والإيقاع والكوميديا والموسيقى والشخصيات.

ما نراه بوضوح هو تغير العلاقة بين الفنان وصوته.

في بدايته كان الجسد يكفي.

ثم صنع استقلالًا يسمح لذلك الجسد بالعمل.

ثم قاوم الحوار حتى لا يقتل اللغة البصرية للصعلوك.

وعندما تكلم أخيرًا، اكتشف أن الكلمات لها نتيجة مختلفة تمامًا عن الحركة.

الحركة يمكن أن تعبر الحدود بسهولة.

أما الكلمات فتدخل النقاش.

يمكن اقتباسها.

الاعتراض عليها.

ربطها بموقف سياسي.

ووضع صاحبها تحت السؤال.

من الصعلوك العالمي إلى تشارلي تشابلن نفسه

ربما يكون هذا هو التحول الحقيقي في الجزء الرابع.

The Great Dictator لم يكن فقط فيلم تشابلن الأول الذي يتكلم فيه كثيرًا.

كان بداية انهيار المسافة بين الفنان وصورته العامة.

مع الصعلوك كان تشابلن يستطيع أن يختبئ خلف شخصية لا جنسية واضحة لها ولا لغة.

مع الحلاق اليهودي وهينكل وVerdoux وKing Shahdov، أصبح من الصعب الحفاظ على هذه المسافة.

كل فيلم يحمل كلمات أو أفكارًا يمكن أن يسأل الجمهور:

هل هذا ما يؤمن به تشابلن؟

هل الشخصية تتحدث أم صاحب الفيلم؟

هل السخرية موجهة إلى شخصية أم مؤسسة أم دولة؟

وأحيانًا لا توجد إجابة واحدة.

لكن الأسئلة نفسها أصبحت جزءًا من استقبال أفلامه.

ولهذا عندما وصل إلى الخمسينيات لم يعد الرجل الذي يقف خلف الكاميرا منفصلًا بسهولة عن الرجل الذي تكتب عنه الصحف والملفات الحكومية.

تشابلن مع ابنه مايكل في A King in New York (1957): تتقاطع الحكاية مع أسئلة الإعلام والسياسة والاشتباه، من دون أن تصبح نسخة حرفية من حياة صانعها.
تشابلن مع ابنه مايكل في A King in New York (1957): تتقاطع الحكاية مع أسئلة الإعلام والسياسة والاشتباه، من دون أن تصبح نسخة حرفية من حياة صانعها.

انتهت معركة الصوت… وبدأت معركة الصورة التي بقيت من الرجل

هناك خط طويل بدأ من الصبي الذي تعلم أن يحكي بجسده قبل أن يعرف الكاميرا.

ثم الصعلوك.

ثم المخرج.

ثم المنتج.

ثم الفنان الذي رفض الكلام.

ثم الرجل الذي وقف أمام ميكروفون في نهاية The Great Dictator وقال ما أراد قوله مباشرة.

بعد تلك اللحظة لم يعد الصمت ممكنًا بالطريقة نفسها.

ليس لأن السينما فرضت الصوت عليه.

بل لأن تشابلن نفسه اختار أن يدخل بالكلام إلى العالم العام.

ومع الكلام جاءت نتائج لم يعد يستطيع التحكم فيها كما يتحكم في لقطة داخل استوديو.

تحقيقات.

اتهامات.

جدل.

أزمة عودة.

ثم حياة جديدة خارج أمريكا وفيلم يسخر من البلد الذي صنع فيه الجزء الأكبر من مسيرته.

لكننا ما زلنا ننظر هنا إلى تشابلن العام: الفنان، صانع الأفلام، صاحب التصريحات، والشخصية التي ناقشتها الصحافة والمؤسسات.

ويبقى رجل آخر خلف هذه الصورة كلها.

زوج.

أب.

رجل تصفه شهادات أسرته بطرق لا تشبه دائمًا الصورة التي عرفها ملايين المشاهدين.

ثم الرجل المسن الذي سيعود بعد سنوات طويلة إلى المكان الذي ابتعد عنه، ليقف هذه المرة لا كمتهم أو مثير للجدل، بل كجزء من تاريخ السينما نفسه.

وهنا يبدأ السؤال الأخير في ملفنا:

بعد أن فصلنا الصعلوك عن المخرج، والمخرج عن صوته السياسي… هل نستطيع أصلًا أن نرى تشارلي تشابلن الإنسان بعيدًا عن الأسطورة التي أصبحت أكبر منه؟

وهناك يبدأ الجزء الخامس والأخير.

عن هذه السلسلة

يتتبع هذا الملف تكوّن شخصية تشارلي تشابلن السينمائية، ثم استقلاله الفني وعلاقته بالصوت وصدامه مع العالم وإرثه.

جميع أجزاء هذا الملف منشورة.

كل مقالات Cinema Journal
  • تشارلي تشابلن
  • تاريخ السينما
  • السينما الناطقة
  • السخرية السياسية
  • The Great Dictator
  • Monsieur Verdoux
  • A King in New York