المراجعة
السيناريو والحوار
تدور الأحداث في كولومبيا، بالقرب من نهر الأمازون، حيث تصل مجموعة طبية على متن قارب لتقديم المساعدة لسكان القرى المحلية. تضم المجموعة آلي، التي تؤدي دورها جيسيكا روث، إلى جانب لينا، التي تجسدها كيانا ماديرا، وعدد من أفراد الطاقم.
لكن الرحلة لا تظل مجرد مهمة إنسانية، فهناك مجموعة من المستغلين الذين يعملون في المنطقة بقيادة برينان مالوي، الذي يؤدي دوره لوغان مارشال-غرين، ويبدو أن وجودهم في الغابة مرتبط بمصالحهم الخاصة، وليس بمساعدة السكان.


ومن هنا يبدأ الصراع البشري، قبل أن تظهر المشكلة الأكبر: بويونا، الأفعى العملاقة التي تعتبرها قبيلة الياجوارِي حارسة للغابة، والتي تهاجم كل من يقترب من موطنها.
الفكرة الأساسية ليست جديدة، فنحن أمام فيلم عن وحش ضخم يطارد مجموعة من البشر في بيئة معزولة، لكن ما يحاول الفيلم تقديمه هو الابتعاد عن الطابع الكوميدي الذي ارتبط بالعديد من أفلام الأفاعي العملاقة، والاتجاه إلى تجربة أكثر جدية وظلامًا.
وهنا تظهر أول مشكلة في اختيارات الفيلم. فالمخرج مايك بي. نيلسون يريد أن يمنح الحكاية وزنًا أكبر من مجرد مطاردة بين البشر وأفعى عملاقة، لكنه لا ينجح دائمًا في جعل هذا التوجه جزءًا طبيعيًا من الأحداث.
صراع بشري يتراجع أمام الوحش
قبل أن تصبح بويونا محور الأحداث، يحاول الفيلم بناء صراع بين طاقم القارب والمجموعة التي يقودها برينان.
وتبدأ المشكلة عندما يحاول شون، شقيق برينان، الاعتداء على آلي، فتتدخل لينا للدفاع عنها، وينتهي الاشتباك بمقتل شون بعد سقوطه وارتطام رأسه بالأرض.
بدلًا من إبلاغ السلطات بما حدث، تقرر آلي ولينا إخفاء الجثة في المياه، لكن أحد الأطفال المحليين يشاهد ما جرى، ويصل الخبر في النهاية إلى برينان، الذي يقرر مطاردة المجموعة والانتقام لمقتل شقيقه.
هذه الأحداث تمنح الفيلم فرصة لبناء توتر قائم على الخوف من البشر، قبل الانتقال إلى الخطر الطبيعي المتمثل في الأفعى.
لكن المشكلة أن هذا الصراع لا يحصل على التطوير الذي يحتاج إليه. فالفيلم يفتح أكثر من باب درامي، ثم لا يمنح أيًا منها الوقت الكافي ليصبح مؤثرًا بالفعل.
لدينا محاولة الاعتداء، ومقتل شون، وإخفاء الجثة، ورغبة برينان في الانتقام، إلى جانب الإشارة إلى استغلال الأراضي والاعتداء على السكان المحليين.

لكن عندما تصل الشخصيات إلى المنطقة التي تعيش فيها بويونا، يتراجع جزء كبير من هذه الخطوط، وكأن الفيلم لم يعد يعرف ماذا يفعل بكل ما بناه في بدايته.
والنتيجة أن بعض الأحداث تبدو مجرد وسيلة لتحريك الشخصيات من نقطة إلى أخرى، بدلًا من أن تكون جزءًا من صراع متماسك.
إخفاء الوحش يحتاج إلى وضوح
أهم عنصر في الفيلم هو بالتأكيد الأفعى العملاقة، وهنا يتبنى نيلسون اختيارًا واضحًا: عدم إظهار الوحش بصورة مستمرة، والاعتماد على الظلال والمساحات المظلمة داخل الغابة، حتى يترك للمشاهد مساحة لتخيل حجمه وخطورته.
من حيث المبدأ، هذا الاختيار ليس سيئًا. بل إن إخفاء الوحش قد يكون أكثر فاعلية من إظهاره باستمرار، خصوصًا عندما يكون الرعب قائمًا على انتظار ظهوره وعدم معرفة مكانه أو توقيت هجومه.
وهذا ما يحاول الفيلم تحقيقه في بعض لحظاته، حيث تصبح ردود أفعال الشخصيات جزءًا من صناعة التوتر، ويصبح غياب الوحش عن الصورة وسيلة لإبقاء الخطر حاضرًا.


لكن هناك فرقًا بين إخفاء الوحش لصناعة التشويق، وإخفائه بطريقة تجعل المشاهد غير قادر على متابعة ما يحدث.
وهنا يقع الفيلم في المشكلة الأساسية.
ففي عدد من هجمات بويونا، تتحرك الكاميرا بعنف شديد، وتصبح الصورة مليئة بالاهتزاز واللقطات السريعة، مع موسيقى مرتفعة وأصوات صراخ متواصلة.
وبدلًا من أن نشعر بأننا نشاهد هجومًا مرعبًا، نجد أنفسنا نحاول فهم ما يحدث داخل المشهد.
لا نعرف دائمًا أين توجد الأفعى، ولا أين تقف الشخصيات، ولا كيف يمكنها الهروب من الخطر. وبالتالي يفقد الهجوم جزءًا كبيرًا من تأثيره، لأن التوتر يحتاج إلى وضوح بصري يسمح لنا بفهم التهديد ومتابعة حركته.
وهذه نقطة مهمة، لأن الفيلم لا يعاني فقط من قلة ظهور الوحش، بل من عدم قدرته على تنظيم مشاهد ظهوره عندما يقرر تقديمه.
وعندما تظهر الأفعى بصورة أوضح، نجد أن تصميمها يحمل حضورًا بصريًا جيدًا، خصوصًا مع مظهرها الأسود وطريقة تحركها الهادئة والمدروسة.
لكن المشكلة أن هذه اللحظات لا تكفي لتعويض الارتباك الذي يصاحب عددًا من مشاهد الهجوم.
لينا تمنح الغابة معنى شخصيًا
إذا كان هناك عنصر يستحق الاهتمام في الفيلم، فهو شخصية لينا.
فهي ليست مجرد شخصية محلية تعرف الغابة وتشرح للآخرين مخاطرها، بل لديها ماضٍ مرتبط بالأرض التي تعيش فيها، وعلاقة معقدة بالمكان الذي تحاول العودة إليه.
نعرف أنها فقدت والديها عندما كان شقيقها خورخي معها في طفولتهما، بعد تعرض عائلتهما للقتل بسبب رفضها التخلي عن أرضها. وقد وجدتهما قبيلة الياجوارِي وحمتهما، لكن لينا انفصلت عن شقيقها، وظلت تبحث عنه معتقدة أنه ما زال على قيد الحياة.

هذه الخلفية تمنح الشخصية ارتباطًا حقيقيًا بالغابة، وتجعل رحلتها أكثر من مجرد محاولة للنجاة من أفعى عملاقة.
والأهم أن الفيلم لا يقدمها باعتبارها خبيرة لا تخطئ، تعرف كل شيء وتستطيع التعامل مع كل خطر. فهي تتعرض للمشكلات، وتفقد السيطرة على المواقف، وتحتاج أحيانًا إلى مساعدة الآخرين.
هذا يجعلها شخصية أكثر قابلية للتصديق.
أما كيانا ماديرا، فتقدم أداءً جيدًا، وتنجح في منح لينا حضورًا واضحًا، خصوصًا في اللحظات التي تتطلب التعبير عن الخوف والإرهاق ومحاولة التمسك بالحياة.

في المقابل، تقدم جيسيكا روث أداءً مناسبًا لشخصية آلي، وتنجح في التعبير عن الضغط الجسدي والنفسي الذي تتعرض له خلال الرحلة.
لكن على مستوى المجموعة ككل، لا يحصل جميع أفراد الطاقم على مساحة كافية تجعلنا نهتم بمصائرهم بالدرجة نفسها.
وهذا يضعف تأثير بعض لحظات الموت، حتى عندما يحاول الفيلم تقديمها بصورة مفاجئة وصادمة.
الموت المفاجئ والأثر العاطفي
من الأفكار التي يحاول الفيلم الاعتماد عليها أن أهمية الشخصية داخل الحكاية لا تعني بالضرورة أنها محمية من الموت.
فأفراد المجموعة يتعرضون للخطر بصورة متتابعة، ولا يتعامل الفيلم مع وجود الممثلين الرئيسيين باعتباره ضمانًا لاستمرارهم حتى النهاية.
نرى ذلك بوضوح عندما تتحول المواجهة بين رجال برينان وطاقم القارب إلى فوضى، وتبدأ بويونا في مهاجمة الجميع.
يموت ميغيل، ويُقتل راؤول، بينما يُصاب كالوم برصاصة خلال الاشتباك، وتُبتلع آلي بعد انقلاب القارب ووصولها إلى الشاطئ.

هذه الخسائر تمنح الرحلة قدرًا من عدم اليقين، وتجعل الخطر أكبر من مجرد مطاردة تقليدية تنتهي بنجاة جميع الشخصيات الرئيسية.
لكن المفاجأة وحدها لا تصنع تأثيرًا عاطفيًا.
فحتى يكون موت الشخصية مؤثرًا، نحتاج إلى أن نكون قد عرفناها بما يكفي، وأن يكون لغيابها أثر واضح في الشخصيات الأخرى وفي مسار الحكاية.
وهذا ما لا ينجح الفيلم في تحقيقه باستمرار.
الحفرة الطينية: أفضل مشاهد التوتر
وسط الارتباك الذي يسيطر على عدد كبير من مشاهد المطاردة والهجوم، يقدم الفيلم مشهدًا مختلفًا تمامًا، وهو مشهد سقوط لينا داخل حفرة طينية عميقة.
تجد لينا نفسها عالقة في الطين، الذي يصل إلى مستوى مرتفع من جسدها، وأي حركة غير محسوبة قد تجعلها تغوص أكثر وتفقد قدرتها على النجاة.
وفي الوقت نفسه، يصبح برينان الشخص الوحيد القادر على مساعدتها، بينما تتحرك بويونا بالقرب من المكان.
هنا يحدث شيء نفتقده في أجزاء كثيرة من الفيلم: تتوقف الكاميرا عن الفوضى، ويصبح المكان واضحًا، ونعرف موقع الشخصيات، ونفهم طبيعة الخطر الذي يواجه كل واحدة منها.


المشهد لا يحتاج إلى مطاردة سريعة أو موسيقى صاخبة حتى يصنع التوتر.
فمجرد بقاء لينا عالقة، وعدم قدرتها على الحركة، ووجود الأفعى بالقرب منها، كافٍ لبناء لحظة مشحونة بالخطر.
والأهم أن برينان يواجه اختيارًا صعبًا، إذ يحاول مساعدتها لكنه يعجز عن الوصول إليها، ثم يقرر الهرب وتركها خلفه.
هذا المشهد هو أفضل مثال على ما كان يمكن أن يقدمه الفيلم لو اعتمد على وضوح الحركة والمكان، بدلًا من الاعتقاد بأن زيادة حركة الكاميرا وارتفاع الموسيقى كفيلان بصناعة الرعب.
إنه مشهد يثبت أن المشكلة ليست في فكرة الفيلم أو في وجود الأفعى، وإنما في طريقة تنفيذ المواجهات نفسها.
مواجهة أخيرة تبحث عن معنى
في المواجهة الأخيرة، تصل لينا إلى موقع بناء، حيث تحاول بويونا مهاجمتها، فتستخدم رافعة للاختباء ومواجهة الأفعى.
لكنها تتعرض للإصابة وتجد نفسها عالقة، قبل أن يعود برينان لمساعدتها باستخدام منشار كهربائي، ويتمكن من إصابة الأفعى جزئيًا.

وفي النهاية تبتلع بويونا برينان، بينما تتمكن لينا من طعنها، ثم تقف أمامها دون تراجع.
لكن المفاجأة أن الأفعى تقرر عدم قتلها، وتتراجع بدلًا من مهاجمتها مرة أخرى.
بعد ذلك تلتقي لينا بشقيقها خورخي، وتقرر البقاء مع قبيلة الياجوارِي، وتشاركهم في مواجهة عمليات التعدين غير القانونية التي تهدد أرضهم.
وهنا يحاول الفيلم ربط المواجهة الأخيرة بفكرته الأساسية: البشر الذين اقتحموا موطن الكائنات الطبيعية بحثًا عن مصالحهم، يجدون أنفسهم في مواجهة قوة لا يستطيعون السيطرة عليها.
واختيار موقع البناء للمواجهة ليس بلا معنى؛ فالأدوات البشرية التي تُستخدم في السيطرة على الأرض تتحول إلى وسائل لمقاومة الوحش الذي يعيش فيها.
لكن الفكرة لا تحصل على التنفيذ الدرامي الذي يجعلها مؤثرة بالقدر الكافي.
فالنهاية تحمل محاولة واضحة لمنح المواجهة معنى يتجاوز مجرد قتل الأفعى أو النجاة منها، لكنها تظل أقل إقناعًا مما كان يمكن أن تكون عليه، خصوصًا مع تراجع التماسك الذي عانت منه الحكاية طوال الطريق.
الإخراج والصورة والمونتاج والموسيقى
إخراجيًا، يبدو أن مايك بي. نيلسون لم يحسم تمامًا هوية الفيلم التي يريد الوصول إليها.
فهو يحاول الجمع بين فيلم وحوش جاد، ومغامرة في الغابة، وصراع بشري يتناول استغلال الأراضي، لكن هذه العناصر لا تندمج بصورة متماسكة.
أحيانًا يبدو الفيلم وكأنه يريد أن يمنحنا تجربة رعب تعتمد على الترقب، وفي أحيان أخرى يتجه إلى مشاهد حركة سريعة ومضطربة، دون انتقال مقنع بين الأسلوبين.
أما التصوير، فيستفيد من أجواء غابات الأمازون، ومن الإحساس بالحرارة والرطوبة والإرهاق الذي يحيط بالشخصيات.

المكان لا يبدو مجرد خلفية جميلة للأحداث، بل يحمل قدرًا من القسوة والخطر، ويجعل الشخصيات تبدو وكأنها موجودة بالفعل في بيئة لا تستطيع التحكم فيها.
كما أن الاعتماد على الظلال والإضاءة المحدودة يخدم فكرة إخفاء الأفعى في بعض اللحظات، لكنه لا يعالج مشكلة وضوح الصورة عندما تبدأ المواجهات.
وبالنسبة إلى المونتاج، فهو أحد العناصر التي لا تساعد الفيلم بالشكل المطلوب، خصوصًا في مشاهد الهجوم، حيث تتوالى اللقطات السريعة دون أن تمنح المشاهد فرصة لفهم حركة الشخصيات أو موقع الوحش.
أما الموسيقى، فتميل إلى الارتفاع بصورة واضحة أثناء الهجمات، لكنها أحيانًا تحاول فرض الإحساس بالخطر بدلًا من ترك الصورة والحركة تصنعانه.
وهنا يظهر الفارق بين مشهد الحفرة الطينية وبقية المواجهات: الأول يثق في الموقف نفسه، بينما تعتمد مشاهد كثيرة أخرى على الضجيج والحركة المبالغ فيها.
الخلاصة
فى الختام
يمتلك الفيلم بعض العناصر الجيدة، أبرزها أداء كيانا ماديرا، وحضور جيسيكا روث، وأجواء الغابة التي تمنح الأحداث إحساسًا بالقسوة والعزلة. كما أن مشهد الحفرة الطينية يقدم نموذجًا ناجحًا لكيفية صناعة التوتر من خلال المكان وحركة الشخصيات، بدلًا من الاعتماد على الفوضى البصرية. لكن في المقابل، يعاني الفيلم من بداية بطيئة، وصراع بشري لا يحصل على تطوير كافٍ، ومشاهد هجوم يصعب متابعتها بسبب اهتزاز الكاميرا وسوء تنظيم الحركة والمكان. والأهم أن الفيلم لا ينجح في الحفاظ على هوية واحدة، فيتأرجح بين الجدية والرعب والمغامرة، دون أن يمنح هذه العناصر ترابطًا كافيًا. تجربة متوسطة، لديها فكرة يمكن البناء عليها، وبعض اللحظات التي تكشف عن قدرة حقيقية على صناعة التوتر، لكنها لا تنجح في استغلال هذه الإمكانات طوال مدة الفيلم. المشكلة ليست في أن الأفعى لا تظهر بما يكفي، ولا في أن الفيلم قرر الابتعاد عن الكوميديا، وإنما في أن الإخراج لا يعرف دائمًا كيف يحول وجود الوحش إلى مشاهد رعب واضحة ومؤثرة. كان من الممكن أن تكون المواجهات أكثر إثارة لو امتلكت تنظيمًا بصريًا أفضل، وكان من الممكن أن يصبح الصراع الإنساني أكثر أهمية لو حافظ الفيلم على الخطوط التي بدأها بدلًا من التخلي عنها تدريجيًا. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض اللحظات الجيدة، خصوصًا مشهد الحفرة الطينية، وأداء كيانا ماديرا، والأجواء التي تنجح في نقل قسوة الغابة. تقييمى للفيلم … ٦ من ١٠
والسؤال لكم
والان السؤال هنا: هل تفضلون أفلام الوحوش التي تعتمد على إخفاء الكائن وصناعة التوتر، أم الأفلام التي تمنح الوحش مساحة أكبر للظهور والمواجهة المباشرة؟
تصويت الجمهور
هل تتفق مع تقييم MB؟
اختر مرة واحدة من هذا المتصفح، ويمكنك تغيير رأيك في أي وقت.



