MBcinemaStudio
للأعمال↗

ملف تشارلي تشابلن · الجزء الأول

تشارلي تشابلن: من الفقر إلى ولادة الصعلوك

كيف خرج أشهر متشرد في تاريخ السينما من حياة عرفت الفقر وعدم الاستقرار؟ الجزء الأول من ملف تشارلي تشابلن، من مسارح لندن إلى بدايات الصعلوك أمام الكاميرا.

تشابلن واقف بكامل قامته، بقبعة مستديرة وسترة ضيقة وسروال واسع، واضعًا يده على خصره وبجانبه عصا.
تشارلي تشابلن في هيئة «الصعلوك»، صورة دعائية لاستوديوهات إساناي، 1915.

قبل أن يصبح تشارلي تشابلن واحدًا من أكثر الوجوه قابلية للتعرّف في تاريخ السينما، كان يكفي أن نرى أشياء قليلة جدًا كي نعرف الشخصية: قبعة صغيرة، شارب قصير، عصا من الخيزران، بنطال فضفاض أكثر مما ينبغي، حذاء ضخم، وجسد نحيل يتحرك كما لو أنه يحاول في كل لحظة أن يحافظ على كرامته بينما يدفعه العالم إلى الاتجاه الآخر.

هذه التفاصيل صنعت الصعلوك — The Little Tramp. لكن الشخصية لم تكن مجرد زي طريف عثر عليه ممثل داخل خزانة ملابس أحد الاستوديوهات. فالملابس وحدها لا تفسر المشية، والمشية لا تفسر التوقيت، والتوقيت لا يفسر ذلك التناقض الغريب بين رجل يبدو معدمًا ويتصرف أحيانًا بثقة رجل نبيل.

قبل ظهور الصعلوك كانت هناك سنوات طويلة تعلّم فيها تشابلن شيئًا أكثر أهمية من الكوميديا نفسها: كيف يجعل الجسد يحكي قبل أن يحتاج إلى الكلام. ولفهم ولادة الشخصية، علينا أن نعود إلى لندن، قبل هوليوود، وقبل الكاميرا، وقبل أن يعرف أحد اسم تشارلي تشابلن.

طفل لم يكن المسرح بالنسبة إليه رفاهية

وُلد تشارلز سبنسر تشابلن في لندن في 16 أبريل/نيسان 1889، لأبوين عملا في المسرح الغنائي والمنوّعات (Music Hall)؛ والده تشارلز تشابلن الأب كان مغنيًا ومؤديًا، ووالدته هانا احترفت الغناء والتمثيل باسم فني هو Lily Harley. لكن وجود المسرح داخل الأسرة لم يكن يعني حياة مستقرة أو مريحة. انفصل الأبوان مبكرًا، وتراجعت صحة هانا، بينما توفي الأب عندما كان تشارلي في الثانية عشرة.

مر تشارلي وشقيقه سيدني بفترات قاسية من الفقر، واضطرا إلى الاعتماد على نفسيهما وهما صغيران، كما عاشا في مؤسسات مرتبطة برعاية الفقراء في مراحل من طفولتهما. ولذلك من السهل جدًا الوقوع في إغراء بناء أسطورة جاهزة تقول إن «الفقر صنع تشابلن».

لكنها إجابة أبسط مما ينبغي. الفقر يفسر جزءًا من البيئة التي عرفها، ولا يفسر وحده الفنان الذي أصبحه. آلاف الأطفال عرفوا الفقر نفسه ولم يصنعوا شخصية الصعلوك. الأهم هو ما حدث عندما التقت هذه التجربة بعالم آخر كان موجودًا على الجانب المقابل منها: المسرح.

كان المسرح حاضرًا في البيت حتى عندما أصبح العمل فيه بعيد المنال. وكانت والدته تغني وترقص وتقلّد المؤدين أمام أبنائها، وأنه كان يرافقها أحيانًا إلى المسارح ويشاهد العروض من خلف الكواليس.

وهنا تبدأ نقطة مهمة في تكوينه. تقليد الأشخاص ليس مجرد ترديد لكلماتهم. لكي تقلد إنسانًا، يجب أن تلاحظ أولًا: كيف يقف؟ كيف يحرك يديه؟ ماذا يفعل وجهه قبل أن يتحدث؟ أين يضع وزنه حين يمشي؟ وما التفصيلة الصغيرة التي تجعل المشاهد يعرفه؟

هذه الملاحظة للجسد ستصبح لاحقًا واحدة من أهم أدوات تشابلن السينمائية.

مجموعة كبيرة من تلاميذ المدرسة والعاملين فيها يصطفون أمام مبنى من الطوب.
تلاميذ مدرسة هانويل في لندن، 1897؛ يظهر تشابلن طفلًا بين زملائه.

قبل أن يتعلم الكلام للكاميرا، تعلّم كيف يخاطب آخر صف في المسرح

يروي تشابلن أن ظهوره الأول على خشبة المسرح جاء وهو طفل في الخامسة تقريبًا، عندما تعثرت والدته أثناء عرض بسبب مشكلة في صوتها، فدُفع الصبي إلى الخشبة ليكمل بدلًا منها. والمهم هنا ليس تحويل الحكاية إلى «لحظة ميلاد العبقرية»، بل إدراك نوع العالم الذي نشأ فيه: عالم يتطلب من المؤدي أن يفهم الجمهور فورًا، وأن يحتفظ بانتباهه بجسده وصوته وإيقاعه.

وفي عام 1898، وهو في التاسعة تقريبًا، انضم إلى فرقة الأطفال الراقصين The Eight Lancashire Lads، وبدأ يكتسب خبرة احترافية منتظمة على خشبة الـMusic Hall. الرقص هنا ليس تفصيلة صغيرة في السيرة.

المؤدي الذي يتدرب على الرقص يتعلم أن الحركة لها بداية ووسط ونهاية. وأن نصف ثانية قد تجعل الحركة دقيقة أو مرتبكة. وأن التوقف يمكن أن يكون جزءًا من الحركة بالقدر نفسه الذي تكون فيه الخطوة جزءًا منها.

وهذه هي الآلية نفسها تقريبًا التي تعمل بها الكوميديا الجسدية.

الضربة ليست في السقوط وحده، بل في اللحظة التي تسبق السقوط.
وليست في النظر إلى شخص آخر، بل في التأخير القصير قبل أن يكتشف المؤدي وجوده.
وليست في الاصطدام بالباب، بل في الثقة الكاملة التي يمشي بها الشخص نحو الباب قبل الاصطدام.

تشارلي الطفل لم يكن يتعلم «كيف يصبح تشابلن» بالطبع. لكنه كان يبني، من دون كاميرا، الأدوات التي سيحتاج إليها لاحقًا أمامها. بعد ذلك انتقل إلى أدوار مسرحية أكثر تقليدية، ومن بينها مشاركته صغيرًا في إنتاجات مسرحية لـSherlock Holmes، قبل أن يقوده طريق عروض المنوّعات المسرحية (Vaudeville) إلى المرحلة التي بدأت تتشكل فيها هويته الكوميدية بوضوح أكبر.

فريد كارنو: المختبر الذي سبق هوليوود

كانت محطة Fred Karno شديدة الأهمية. فرقة كارنو لم تكن مجرد وظيفة أخرى لتشابلن؛ كانت واحدة من المدارس العملية الكبرى للكوميديا الجسدية البريطانية. ومن خلالها أصبح تشابلن مؤديًا كوميديًا محترفًا يجوب المسارح، لا طفلًا موهوبًا يحاول العثور على عمل.

سافر مع الفرقة إلى الولايات المتحدة عام 1910، ثم عاد معها في جولة أخرى بدأت عام 1912. وكان من الأدوار التي لفتت الانتباه إليه أداؤه ضمن الاسكتش الكوميدي A Night in an English Music Hall. وفي أثناء هذه المرحلة جاء العرض الذي سينقله من المسرح إلى السينما.

هناك فارق مهم بين الكوميديا التي تعتمد على نكتة مكتوبة والكوميديا التي كانت تناسب تشابلن. في النوع الثاني يستطيع الممثل أن يأخذ فعلًا بسيطًا جدًا — دخول غرفة، الجلوس فوق كرسي، الإمساك بشيء، محاولة السير مستقيمًا وهو يؤدي شخصية مخمورة — ويحوّله إلى سلسلة من التحولات الصغيرة.

كل شيء يعتمد على الإيقاع. المشاهد يرى المشكلة قبل الشخصية أحيانًا. ينتظر الاصطدام. تشابلن يتأخر. ثم يكتشف ما يعرفه الجمهور بالفعل. هذا التأخير يولد الضحك. وإذا كان المؤدي المسرحي يحتاج إلى جسد واضح حتى تصل الحركة إلى الجمهور البعيد، فإن السينما الصامتة المبكرة كانت على وشك أن تمنح هذه المهارة بيئة جديدة تمامًا.

الكاميرا تستطيع الاحتفاظ بالحركة. والفيلم يستطيع إعادتها أمام آلاف ثم ملايين الأشخاص.

إعلان لمسرح إمبرس من عام 1913 عن كوميديي كارنو اللندنيين، تتوسطه صورتان تحملان اسم تشابلن.
إعلان لمسرح إمبرس عن جولة تشابلن الأميركية مع فرقة فريد كارنو الكوميدية، 1913.

عندما وصل الجسد المسرحي إلى آلة السينما

في نهاية عام 1913 ترك تشابلن عالم كارنو ليدخل شركة Keystone Film Company التابعة لماك سينيت، بعد انتهاء التزاماته المسرحية. كانت Keystone جزءًا من عالم مختلف جذريًا عن المسرح.

الأفلام الكوميدية القصيرة تُنتج بسرعة، والمواقف واضحة، والمطاردات كثيرة، والإيقاع الصناعي نفسه أسرع من ذلك الذي عرفه تشابلن فوق الخشبة. وكان أول أفلامه Making a Living. صُوّر الفيلم في يناير/كانون الثاني 1914، وعُرض في 2 فبراير/شباط من العام نفسه. لكن الشخصية التي يظهر بها تشابلن فيه ليست الصعلوك الذي سيعرفه العالم لاحقًا؛ فهو يظهر بملابس مختلفة، تشمل قبعة عالية ومعطفًا وشاربًا أطول.

وهذا التفصيل مهم لأنه يمنعنا من كتابة تاريخ تشابلن بالعكس. لم يدخل الرجل الاستوديو وهو يحمل شخصية مكتملة في حقيبته. كان لا يزال يبحث عن الشكل الذي يستطيع أن يعمل أمام الكاميرا.

ثم جاءت الملابس.

تشابلن واقف في الخارج مرتديًا قبعة عالية ومعطفًا فاتحًا وشاربًا كثيفًا متدليًا.
تشابلن في «كسب العيش» (1914)، أول أفلامه، قبل ظهور زيّ «الصعلوك» المعروف.

ولادة الصعلوك: الحقيقة أدق من الحكاية الشهيرة

من أكثر الجمل تكرارًا في تاريخ السينما أن الصعلوك «ظهر للمرة الأولى» في فيلم Kid Auto Races at Venice عام 1914. الجملة صحيحة إذا كنا نقصد: أول مرة شاهده فيها الجمهور على الشاشة.

لكنها ليست القصة كاملة. كان أول تصوير له مرتديًا زي الشخصية أثناء العمل على Mabel's Strange Predicament. بعد ذلك صُوّر Kid Auto Races at Venice، لكنه اكتمل ووصل إلى دور العرض أسرع، فعُرض في 7 فبراير/شباط 1914، بينما عُرض Mabel's Strange Predicament في 9 فبراير. ولذلك يصبح لدينا فارق صغير لكنه مهم بين أول مرة ارتدى فيها الزي أمام الكاميرا وأول مرة رآه فيها الجمهور.

هذا النوع من التفاصيل قد يبدو أكاديميًا، لكنه يكشف شيئًا أجمل عن ولادة الشخصية. الصعلوك لم يظهر نتيجة سنوات من التصميم على الورق. لقد تشكل بسرعة شديدة من مجموعة تناقضات بصرية.

قبعة مستديرة من نوع ديربي (Derby).
شارب صغير.
عصا خيزران.
بنطال فضفاض.
معطف ضيق نسبيًا.
وحذاء أكبر بكثير من القدمين.

وكان هذا المزيج خاصًا به، حتى لو كانت له جذور في تقاليد شخصيات المتشردين داخل الـMusic Hall وفي المتشردين الحقيقيين الذين عرفهم خلال طفولته.

لكن العبقرية البصرية هنا ليست في كل قطعة منفردة. إنها في الصدام بينها.

مابل نورماند مستلقية على الأرض، تسند رأسها بيدها وتنظر إلى أعلى.
مابل نورماند في «مأزق مابل الغريب» (1914)، الفيلم الذي ارتدى فيه تشابلن زيّ «الصعلوك» للمرة الأولى أثناء التصوير.
تشابلن بزيّ «الصعلوك» يواجه الكاميرا أمام جمهور متجمع حول سباق في الشارع.
«سباقات سيارات الأطفال في فينيس» (1914): أول ظهور لشخصية «الصعلوك» أمام جمهور السينما.

رجل فقير يرتدي بقايا رجل نبيل

تأمل الشخصية بلا قصة. القبعة والعصا تنتميان بصريًا إلى شخص يريد أن يبدو محترمًا. البنطال والحذاء يقولان شيئًا آخر تمامًا. المعطف لا ينسجم مع بقية الجسد. والشارب يمنح الوجه جدية أكبر من السلوك الذي نراه.

إنه شخص لا تبدو ملابسه ملكه بالكامل، ومع ذلك يتصرف كما لو أنه اختارها بعناية. هذا التناقض يسمح للصعلوك أن يفعل شيئًا أصعب من مجرد إضحاك المشاهد: أن يكون هزيلًا ومتباهيًا في اللحظة نفسها.

حين يرفع القبعة، فالحركة فيها أدب. حين يستخدم العصا، يتعامل معها أحيانًا كما لو كانت امتدادًا لأناقة لا يملك ثمنها. وحين يتعثر بسبب الحذاء، تنهار هذه الصورة في ثانية.

ثم يعيد بناءها. هنا تظهر الكرامة باعتبارها فعلًا جسديًا. لا يحتاج الصعلوك إلى أن يقول: «أنا أرفض أن أبدو مهزومًا». يكفي أن يصلح ملابسه بعد سقطة، أو يستعيد مشيته بعد لحظة إحراج.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل تصميم الشخصية قويًا سينمائيًا: كل جزء من الملابس يمكن أن يتحول إلى أداة أداء.

الحذاء يغير المشية.
العصا تغير خط الحركة.
القبعة تصنع إيماءة.
والبنطال يغير صورة الجسد داخل الكادر.

الشخصية يمكن قراءتها قبل أن يحدث شيء تقريبًا.

لماذا يحتاج تشابلن إلى جسده كاملًا؟

من السهل عند الحديث عن التمثيل السينمائي التركيز على الوجه واللقطة القريبة. لكن في الكوميديا الجسدية، قد يؤدي الاقتراب أكثر من اللازم إلى خسارة جزء من النكتة. لأن المشاهد يحتاج أحيانًا إلى رؤية العلاقة بين الجسد والمكان.

أين الكرسي؟ أين الباب؟ كم تفصل قدم تشابلن عن الشيء الذي سيتعثر فيه؟ مَن يقف خلفه؟ وما المسافة التي يجب أن يقطعها قبل أن تتحول الحركة إلى مشكلة؟

الحركة هنا ليست زينة تضاف إلى الأداء. الحركة هي المعلومة نفسها. ولهذا يصبح الكادر الذي يسمح برؤية مساحة كافية من الجسم والمكان أداة أساسية. لا يحتاج المشاهد إلى شرح أن الحذاء ضخم إذا استطاع أن يرى أثره في المشية، ولا يحتاج إلى حوار يخبره بأن الشخصية تحاول الحفاظ على وقارها إذا شاهد الجسد يفقد توازنه ثم يستعيد هيئته فورًا.

يمكننا أن نرى بذور هذه العلاقة بوضوح في Kid Auto Races at Venice. الفيلم بسيط للغاية: سباق أطفال حقيقي، طاقم يحاول التصوير، والرجل الصغير الذي يصر على الدخول أمام الكاميرا.

لكن بساطته هي ما يجعله وثيقة رائعة. فالصعلوك لا يتعامل فقط مع بقية الشخصيات. إنه يتعامل مع الكاميرا نفسها.

يدخل مجالها.
يخرج منه.
يعود إليها.
يحاول أن يكون مرئيًا.

والجمهور الحقيقي الموجود في موقع السباق يبدأ بملاحظة هذا الرجل الغريب ثم التفاعل معه. ويحتفظ الفيلم بالفعل بردود فعل بعض المتفرجين الذين كانوا موجودين في الحدث أثناء التصوير.

وكأن ولادة الشخصية حدثت أمام جمهور لا يعرف بعد أنه يشاهد شخصية ستستمر بعده بأكثر من قرن.

تشابلن وفورد ستيرلينغ يقفان وجهًا لوجه وبينهما مظلة أفقية، ويظهر ممثلان آخران في الخلفية.
تشابلن وفورد ستيرلينغ في مواجهة وجهًا لوجه في «بين زخّات المطر» (1914).

هل الصعلوك هو طفولة تشابلن وقد ارتدت قبعة؟

هنا يجب أن نكون حذرين. هناك علاقة واضحة بين البيئة التي عرفها تشابلن وبين العالم الذي أصبحت شخصيته قادرة على لمسه. والفقر وعدم الاستقرار والمتشردون الحقيقيون في شوارع لندن كانوا جزءًا من الخبرة التي عرفها، وتأثر كذلك بتقاليد شخصيات المتشرد في الـMusic Hall.

لكن تحويل الصعلوك إلى معادلة نفسية مباشرة سيكون تبسيطًا. ليس:

طفولة فقيرة = شخصية فقيرة.

ما صنع الشخصية هو التقاء أشياء كثيرة: ذاكرة اجتماعية، تقاليد مسرحية، تدريب جسدي، حس بالملاحظة، سنوات من الأداء أمام جمهور مباشر، ثم وسط سينمائي جديد سمح لهذه العناصر بأن تتحول إلى صورة.

ولهذا كان الصعلوك قادرًا على أن يكون أكثر من نسخة من حياة صاحبه. هو فقير، لكن ليس مجرد ضحية. مثير للمشاكل أحيانًا، لكنه قادر على التعاطف. يحاول التصرف كرجل مجتمع بينما لا يملك مكانًا ثابتًا داخله.

وفي هذا التناقض وُلدت المساحة التي ستسمح لتشابلن لاحقًا بأن يستخدم الكوميديا في الحديث عن أشياء أكبر كثيرًا من السقوط والركل والمطاردات. لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد.

في 1914 كان الاكتشاف الأساسي أبسط وأهم:

وجد تشابلن جسدًا يستطيع أن يفهمه العالم.

الشخصية وُلدت… لكن صاحبها لم يكن يملك الفيلم بعد

يمكن اختزال ولادة الصعلوك في صورة شهيرة لخزانة ملابس، لكن ذلك يظلم ما حدث قبلها. فالقبعة والعصا والشارب لم تكن لتصبح شيئًا يُذكر لو ارتداها ممثل لا يعرف كيف يستخدم الصمت، والمسافة، والتوقيت والجسد.

قبل السينما كانت هناك لندن. وقبل الكاميرا كانت هناك خشبة مسرح. وقبل الصعلوك كان هناك طفل تعلم أن مراقبة الآخرين يمكن أن تصبح أداءً، وراقص تعلم أن نصف خطوة تغير الإيقاع، وكوميدي قضى سنوات وهو يختبر اللحظة التي يضحك فيها الجمهور.

حين اجتمعت هذه الخبرات أمام كاميرا Keystone، ظهر الشكل الذي كان ينقصها. لكن ولادة الشخصية لم تحل المشكلة التالية. لأن امتلاك شخصية قوية لا يعني امتلاك الفيلم الذي تظهر فيه.

داخل نظام سريع مثل Keystone، كان هناك آخرون يحددون التصوير والمونتاج والوقت المتاح لصناعة الكوميديا. وسيكتشف تشابلن تدريجيًا أن السيطرة على جسده أمام الكاميرا ليست كافية؛ إذا أراد أن تتحرك الشخصية بالإيقاع الذي يريده، فعليه أن يملك مساحة أكبر من القرار خلف الكاميرا أيضًا.

وهناك تبدأ الحكاية التالية: كيف تحول الصعلوك الجديد من مجرد نجم داخل ماكينة السينما إلى رجل يريد أن تصبح الماكينة نفسها جزءًا من أدواته.

عن هذه السلسلة

يتتبع هذا الملف تكوّن شخصية تشارلي تشابلن السينمائية، ثم استقلاله الفني وعلاقته بالصوت وصدامه مع العالم وإرثه.

جميع أجزاء هذا الملف منشورة.

كل مقالات Cinema Journal
  • تشارلي تشابلن
  • الصعلوك
  • السينما الصامتة
  • تاريخ السينما
  • الكوميديا الجسدية